عاجل
6/recent/اخبار -posts

تحرش الرجال بالفتيات عبر المسنجر والسوشيال ميديا

 

تحرش جنسي بالفتيات
صورة تعبيرية

بقلم الصحفية سارة احمد 

أغلقتِ الباب في وجهه؟ سيعود من حساب آخر

الوجه القبيح للتحرش بالنساء على السوشيال ميديا

لا شارع مظلم. لا سيارة تتوقف بجانبها. لا رجل غريب يقف خلفها. هذه المرة، المتحرش موجود داخل هاتفها... وقد يكون خلف شاشة هاتفك أنت أيضًا.

تستيقظ امرأة صباحًا، تفتح هاتفها، فتجد عشرات الإشعارات.

واحد يمدحها.

آخر يسألها من أين هي.

ثالث يكتب تعليقًا لم تطلبه.

ثم تصل رسالة خاصة.

تقرأها.

تتجمد للحظة.

تغلق المحادثة.

تحظر الحساب.

وتظن أن القصة انتهت.

لكنها لم تنتهِ.

بعد دقائق يظهر حساب جديد.

ثم حساب آخر.

ثم رسالة تقول:

"ليش عملتيلي بلوك؟"

هنا لم يعد الأمر إعجابًا.

ولم يعد تعارفًا.

ولم يعد "مزحة".

إنه اقتحام.

مرحبًا بكِ في عصر التحرش بضغطة إصبع

كان التحرش في الماضي يحتاج إلى وجود المتحرش في المكان نفسه.

اليوم؟

يكفي أن يمتلك هاتفًا وحسابًا على منصة اجتماعية.

ضغطة واحدة تكفي لإرسال رسالة.

وضغطة أخرى لإنشاء حساب وهمي.

وضغطة ثالثة لإعادة نشر صورة.

ثم يبدأ الجحيم.

المشكلة أن بعض المتحرشين اكتشفوا شيئًا خطيرًا:

الشاشة تمنحهم شجاعة لا يمتلكونها في الواقع.

الرجل الذي قد يخفض عينيه عندما تمر امرأة أمامه في الشارع، قد يتحول خلف حساب مجهول إلى شخص لا يعرف معنى الحدود.

لماذا؟

لأنه لا يرى عينيها.

لا يسمع صوتها.

ولا يرى أثر كلماته عليها.

بالنسبة إليه، هي مجرد صورة مضيئة على شاشة.

وهذه هي الكارثة.

"هي نشرت الصورة، إذًا تتحمل النتيجة"

هذه الجملة ربما تكون واحدة من أكثر الجمل استفزازًا في نقاش التحرش الإلكتروني.

وكأن المرأة عندما تنشر صورتها، فإنها توقع عقدًا يسمح للغرباء بالتعليق على جسدها.

وكأن نشر صورة يعني:

"تفضلوا... افعلوا ما تشاؤون."

لا.

هذا ليس إنترنت. هذا تبرير للانتهاك.

إذا نشرت امرأة صورة لنفسها، فهي سمحت لك برؤية الصورة.

لم تسمح لك باختراق خصوصيتها.

لم تمنحك حق إرسال رسائل غير مرغوبة.

ولم توقّع لك شيكًا مفتوحًا على كرامتها.

المفارقة أن البعض يريد أن يحمّل المرأة مسؤولية سوء أخلاق المتحرش.

فتصبح هي المتهمة لأنه نشر صورة، بينما يتحول الرجل الذي تجاوز الحدود إلى "مجرد شخص عبّر عن إعجابه".

أي منطق هذا؟

والأسوأ؟ بعضهم يعتبر الرفض إهانة

هناك رجال لا يعرفون كيف يسمعون كلمة "لا".

إذا لم تجبه المرأة، يقول:

"يمكن مشافت الرسالة."

فيرسل ثانية.

ثم ثالثة.

إذا حظرته، ينشئ حسابًا جديدًا.

إذا حظرته مرة أخرى، يبحث عنها في منصة أخرى.

ثم يبدأ بالسؤال عنها.

ثم مراقبة نشاطها.

ثم التعليق على منشوراتها.

ثم قد يصل الأمر إلى التهديد أو الابتزاز.

من قال إن عدم الرد يحتاج إلى تفسير؟

من قال إن المرأة مطالبة بمنحك فرصة لأنك طلبتها؟

ومن أقنعك بأن الرفض تحدٍّ يجب التغلب عليه؟

الرفض ليس لعبة.

وليس اختبارًا لمدى إصرارك.

الرفض هو رفض.

لكن دعونا نكون أكثر جرأة

ليس كل رجل يرسل رسالة إلى امرأة متحرشًا.

وليس كل إعجاب تحرشًا.

وليس كل محاولة تعارف جريمة.

وهذا التفريق ضروري.

هناك رسالة محترمة يمكن تجاهلها أو الرد عليها.

وهناك رسالة تتجاوز الحدود.

هناك مجاملة.

وهناك تعليق يحول المرأة إلى جسد.

هناك محاولة للتعارف.

وهناك ملاحقة بعد الرفض.

الفاصل الحقيقي هو الحدود.

عندما تعرف أن الطرف الآخر غير مرتاح وتستمر، فأنت لم تعد "تحاول".

أنت تتجاوز.

من الشاشة إلى الابتزاز

المشكلة الأكثر خطورة تبدأ عندما لا يكتفي المتحرش بالكلام.

قد تتحول صورة عادية إلى مادة للسخرية.

وقد تُسرق صورة من حساب عام.

وقد تُستخدم معلومات منشورة علنًا لمعرفة مكان العمل أو الدراسة أو الأصدقاء.

وفي بعض الحالات قد يحاول شخص استغلال صور أو محادثات خاصة للضغط والتهديد.

وهنا يصبح الصمت أكثر خطورة.

لأن الخوف يجعل الضحية أحيانًا تشعر بأنها محاصرة.

تخاف أن تتكلم.

تخاف أن تُلام.

تخاف أن يقول لها أحد:

"لماذا وثقتِ به؟"

وكأن الخطأ في الثقة يلغي حق الإنسان في عدم التعرض للتهديد.

السؤال الذي لا يريد أحد سماعه

لماذا نطالب المرأة دائمًا بأن تحمي نفسها، ولا نطالب المتحرش بأن يضبط نفسه؟

نقول لها:

لا تنشري.

لا تظهري.

لا تتحدثي.

اجعلي الحساب خاصًا.

احظري.

أغلقي الرسائل.

لا تثقي.

لا تردي.

كل هذه النصائح قد تكون مفيدة للحماية، نعم.

لكن أين السؤال الآخر؟

لماذا لا نربي الإنسان على أن الآخرين ليسوا ملكًا له؟

لماذا لا نعلم أبناءنا أن كلمة "لا" ليست استفزازًا؟

لماذا لا نعلمهم أن صورة المرأة ليست دعوة؟

لماذا لا نعلمهم أن الإنترنت ليس منطقة بلا قوانين أخلاقية؟

المتحرش لا يحتاج إلى شجاعة... يحتاج إلى حساب وهمي

وهذه ربما المفارقة الأكثر قسوة.

في العالم الحقيقي، قد يخشى المتحرش نظرة الناس.

أما خلف الشاشة، فقد يختبئ وراء اسم مستعار وصورة مزيفة.

يكتب.

يمسح.

يعود.

ينشئ حسابًا جديدًا.

وكأن زر "إنشاء حساب" منحه شخصية جديدة.

لكن الحقيقة أبسط:

أنت لست شخصًا آخر لأنك غيّرت اسم المستخدم.

والكلمات التي تكتبها وأنت مختبئ خلف شاشة تكشفك أكثر مما تخفيك.

ماذا لو انقلبت الأدوار؟

لنفترض أن امرأة أرسلت لرجل رسائل متكررة بعد أن رفضها.

أنشأت حسابًا جديدًا بعد أن حظرها.

علقت على كل صورة له.

سألت عن مكانه.

هددته بنشر محادثاته.

هل سنقول:

"عادي، هي معجبة فيه"؟

أم سنقول فورًا:

"هذه ملاحقة وتجاوز للحدود"؟

إذا كنا نرفض السلوك عندما يقع على الرجل، فعلينا أن نرفضه عندما يقع على المرأة.

التحرش لا يصبح مقبولًا بتغيير جنس الضحية.

السوشيال ميديا لم تخلق المتحرش

هذه حقيقة يجب ألا ننسىها.

الإنترنت لم يخترع التحرش.

لكنه أعطى المتحرش أدوات لم تكن موجودة من قبل.

أصبح بإمكانه الوصول إلى الشخص.

ومتابعته.

ومراسلته.

والعودة إليه بحساب آخر.

وأحيانًا نشر ما يريده أمام جمهور واسع.

لذلك فإن القضية ليست قضية "فيسبوك" أو "إنستغرام" أو "تيك توك".

القضية في النهاية قضية سلوك وثقافة وحدود.

إلى الرجل الذي يكتب الرسالة قبل أن يضغط إرسال

توقف ثانية واحدة.

اقرأ ما كتبته.

ثم تخيل أن الشخص الموجود أمامك ليس صورة.

تخيله إنسانًا.

له عائلة.

ومشاعر.

ويوم سيئ.

ومخاوف.

وحدود.

وقد لا يريد منك شيئًا أصلًا.

إذا كنت لا تستطيع قول كلامك نفسه أمام وجهها، فربما المشكلة ليست في جرأتك.

المشكلة أنك تعرف أصلًا أن ما تكتبه غير مقبول.

وإلى المرأة التي تتلقى هذه الرسائل

لا.

أنتِ لستِ السبب.

وجودك على الإنترنت ليس دعوة للتحرش.

صورتك ليست تصريحًا بالاقتراب.

عدم ردك ليس وقاحة.

حظرك لشخص ليس إهانة.

وإغلاق باب التواصل ليس جريمة.

استخدمي أدوات الحظر والإبلاغ، واحفظي الأدلة عندما يكون الأمر جديًا، خصوصًا إذا تحول السلوك إلى تهديد أو ابتزاز أو ملاحقة.

ولا تسمحي لأحد أن يقنعك بأنك مطالبة بتبرير حدودك.

الخلاصة التي قد تغضب البعض

نحن لا نحتاج إلى مزيد من النصائح التي تقول للنساء:

"احذرن."

نحتاج أيضًا إلى مجتمع يقول للرجال:

"تعلّموا متى تتوقفون."

لأن الإنترنت الذي يسمح لك بإرسال رسالة في ثانية، يسمح للمرأة أيضًا بأن تقول "لا" في ثانية.

والرجل الذي يحترمها ليس هو الذي يعرف كيف يبدأ الحديث.

بل الذي يعرف كيف ينهيه عندما يدرك أنها لا تريده.

أما الاختباء خلف شاشة، وتغيير الحسابات، ومطاردة امرأة رفضتك، ثم تسميته "إعجابًا"...

فهو ليس حبًا.

وليس رجولة.

وليس جرأة.

إنه تحرش... حتى لو كان هاتفك هو المكان الذي ارتكبته فيه.


إرسال تعليق

0 تعليقات