مشهد الخبر - أثارت الموجة المتصاعدة من الاعتماد على الأتمتة وروبوتات المحادثة (Chatbots) في قطاع خدمة العملاء بالمملكة المتحدة، جدلاً واسعاً حول إقصاء الفئات الضعيفة وتهميش احتياجاتها، مما دفع منظمات حقوقية وهيئات تنظيمية إلى المطالبة بضمان "الحق في التحدث إلى إنسان" عند التعامل مع مقدمي الخدمات الأساسية مثل الطاقة، والمصارف، والاتصالات، والإنترنت.
ففي حين تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الرد على الاستفسارات البسيطة مثل معرفة رصيد الفاتورة خلال ثوانٍ، فإنها تعجز تماماً عن التعامل مع الحالات المعقدة أو الحساسة، مثل مساعدة شخص كفيف على تغيير طريقة تلقي مراسلاته، أو دعم مسن يواجه صعوبات في اجتياز خطوات التحقق الإلكتروني، أو حل مشكلة مالية عميلة لا تنطبق عليها الإجابات الجاهزة.
فجوة رقمية تهدد المكفوفين وكبار السن
وتسلط الناشطة خديجة رضا، مسؤولة السياسات في المعهد الملكي الوطني للمكفوفين (RNIB)، الضوء على عمق هذه المعضلة. وتشير إلى أن المشكلة تبدأ حتى قبل الوصول إلى روبوت المحادثة، حيث كشفت بيانات المؤسسة أن 28% من المكفوفين وضعاف البصر لا يستخدمون الإنترنت أو لا يملكون وصولاً إليه، مقارنة بـ 4% فقط من غير ذوي الإعاقة. وترتفع هذه النسبة بشكل مقلق لتصل إلى 47% بين المكفوفين الذين تجاوزوا 75 عاماً.
وتضيف رضا أن الإقصاء لا يقتصر على عدم استخدام الإنترنت فحسب، بل يمتد لسوء تصميم المواقع الإلكترونية. فبحسب تقرير "ويب إيم" (WebAIM) لعام 2026، احتوت 95.9% من مليون صفحة رئيسية تم فحصها على إخفاقات قابلة للرصد آلياً في معايير إتاحة محتوى الويب للأشخاص ذوي الإعاقة. وتحذر رضا من أن اعتماد المكفوفين على أشخاص مبصرين لإتمام معاملاتهم بسبب فشل الأنظمة الآلية، يعرضهم لخطر "التخلي عن جزء من التحكم والسيطرة" ويزيد من احتمالية الاستغلال المالي وانتهاك الخصوصية.
من جهتها، تؤكد كارولين أبراهامز، مديرة الشؤون الخيرية في مؤسسة "إيج يو كيه" (Age UK)، أن كل مؤسسة عامة أو خاصة ملزمة بتوفير وسائل "سهلة ومباشرة" للتواصل، تشمل خيارات غير رقمية مثل الهاتف أو التواصل وجهاً لوجه. وتشدد على أن هذه الخيارات يجب أن تكون معلنة بوضوح، وليست "مخفية في مكان غامض على الموقع الإلكتروني حيث يكاد العثور عليها مستحيلاً"، مما يجعل كبار السن المستبعدين رقمياً من أكبر المتضررين.
نظام خدمي "من مستويين" وتكاليف خفية
وتكشف بيانات مؤسسة "غود ثينغز فاونديشن" (Good Things Foundation) عن اتساع رقعة الإقصاء الرقمي في بريطانيا، حيث يُصنف واحد فقط من كل ثلاثة بالغين ضمن فئة "المرتاحين في استخدام الإنترنت". في المقابل، يواجه نحو 34 مليون بالغ متصلين بالإنترنت شكلاً من أشكال العوائق أو الهشاشة الرقمية، بينما يفتقر 8 ملايين إلى المهارات الرقمية الأساسية، ويبقى 2.2 مليون شخص خارج الإنترنت كلياً.
وتحذر مؤسسة "سيتيزنز أدفايس" (Citizens Advice)، التي طالبت بهذا الحق في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، من أن التحول القسري نحو نموذج "رقمي أولاً" يخلق نظاماً خدمياً من مستويين: مسار سريع وفعال لمن يجيدون التعامل مع التكنولوجيا، ومسار بطيء ومعقد وأقل موثوقية لمن لا يستطيعون ذلك. ورغم أن الأتمتة توفر للشركات حجة اقتصادية قوية من خلال معالجة آلاف الاستفسارات بتكلفة أقل، إلا أن هذا التوفير ينقل "تكلفة خفية" إلى المستهلك، تتمثل في الوقت الضائع، والفواتير غير المصححة، والشكاوى المعلقة.
الحل: التوازن بين الآلة والإنسان
وفي القطاع المالي، بدأت الجهات الرقابية في التحرك. فـ "واجب المستهلك" (Consumer Duty) الذي تطبقه هيئة السلوك المالي (FCA) لا يفرض حقاً مطلقاً في التحدث لموظف بشري، لكنه يلزم الشركات بتقديم دعم يلبي احتياجات جميع العملاء، بمن فيهم من يواجهون ظروفاً هشة، وألا تضع أمامهم حواجز غير معقولة. ومن الممارسات الجيدة التي تروج لها الهيئة، تحويل الاستفسارات الحساسة (مثل حالات الوفاة) مباشرة إلى موظف بشري، أو إعطاء أولوية للمحادثات عند ظهور مؤشرات على حاجة العميل لدعم إضافي.
وتلخص خديجة رضا جوهر المطالبة قائلة: "نريد دائماً أن تبقى هناك وسيلة غير رقمية للوصول إلى المعلومات نفسها، وخصوصاً الخدمات الهاتفية، وأن تكون هذه الخدمات سهلة الاستخدام أيضاً". فجوهر المشكلة ليس في وجود الروبوت أو كفاءته في حل ما يستطيع حله بسرعة، بل في أن يصبح هذا الروبوت "الطريق الوحيد" والأجباري للوصول إلى الخدمة، مما يحول التكنولوجيا من أداة تسهيل إلى جدار عازل يحرم الفئات الأكثر احتياجاً من حقوقها الأساسية.
