مشهد الخبر ـ في قصة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى سيناريو فيلم تجسس، تمكنت الباحثة والصحفية السورية أنصار شحود من الاقتراب من أحد أبرز المشتبه بهم في مجزرة حي التضامن بدمشق، بعد أن استخدمت هوية رقمية مستعارة حملت اسم «آنا»، لتبدأ رحلة استمرت سنوات وانتهت بتوثيق اعترافات مصورة وصوتية مرتبطة بالمجزرة.
القصة التي بدأت خلف شاشة حاسوب تحولت لاحقًا إلى فيلم وثائقي بعنوان Killing Anna – قتل آنا، للمخرج سام بنستيد، يتتبع التحقيق الذي امتد لأربع سنوات، وكيف تحولت شخصية «آنا» الافتراضية إلى مفتاح للوصول إلى أمجد يوسف، الذي ظهر اسمه لاحقًا بوصفه أحد أبرز المشتبه بهم في القضية.
من «آنا» إلى أمجد يوسف
بدأت شحود، بالتعاون مع الباحث والمؤرخ أوغور أوميت أونغور، في تتبع هوية الأشخاص الذين ظهروا في تسجيلات مرتبطة بعمليات قتل في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013.
وبحسب المواد التي تناولت التحقيق، أنشأت شحود شخصية افتراضية باسم «آنا» على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدمت نفسها بطريقة تساعدها على الاقتراب من عناصر وشخصيات مرتبطة بأجهزة النظام السوري والقوات الموالية له.
كان الهدف الوصول إلى معلومات من داخل الشبكات التي ينتمي إليها الأشخاص الذين ظهروا في التسجيلات، وجمع أدلة تساعد في تحديد هوياتهم وأدوارهم.
وبعد عملية بحث طويلة في الصور والحسابات والمعلومات المتاحة على الإنترنت، جرى تحديد هوية أمجد يوسف، الذي كان قد ظهر في التسجيلات دون أن تكون هويته معروفة في البداية. وتشير المصادر إلى أن إحدى العلامات التي ساعدت الباحثين في عملية التعرف إليه كانت ندبة واضحة فوق حاجبه.
أربع سنوات من التواصل
بعد الوصول إلى حساب يوسف، بدأت المرحلة الأكثر حساسية في التحقيق.
واصلت شحود التواصل معه عبر شخصية «آنا»، وبمرور الوقت تطورت العلاقة الرقمية إلى محادثات ومكالمات، بينها اتصالات عبر الفيديو.
وتوضح الروايات المنشورة عن التحقيق أن الهدف لم يكن مجرد معرفة هوية الرجل، وإنما محاولة دفعه إلى الحديث عن دوره وما حدث في التضامن.
ومع استمرار التواصل، تمكنت شحود من تسجيل محادثات ظهر فيها يوسف وهو يتحدث عن أفعاله، وصولًا إلى تصريحات تضمنت اعترافات بقتل عدد كبير من الأشخاص، وفق ما عرضه الفيلم والمواد الصحفية التي تناولت التحقيق.
وتكتسب هذه التسجيلات أهمية خاصة لأنها لم تعتمد فقط على التعرف إلى وجه ظهر في مقطع فيديو، بل قدمت أيضًا مادة صوتية ومرئية مرتبطة بالشخص الذي جرى تحديده باعتباره أمجد يوسف.
مجزرة التضامن.. من فيديو مسرب إلى ملف دولي
تعود أحداث القضية إلى عام 2013، عندما وثقت تسجيلات مصورة عمليات قتل في حي التضامن بدمشق.
وفي عام 2022، نشرت وسائل إعلام دولية، بينها «الغارديان» و«نيو لاينز»، نتائج التحقيق الذي شارك فيه أونغور وشحود، بعدما جرى تحليل التسجيلات ومحاولة تحديد المكان والأشخاص الظاهرين فيها.
وبحسب التحقيق المنشور آنذاك، وثقت المواد المصورة مقتل عشرات المدنيين، بينما قدّر الباحثون أن مجموعة التسجيلات التي بحوزتهم توثق مقتل **288 شخصًا**، بينهم أطفال ونساء.
وأظهرت المقاطع، وفق التقارير المنشورة، أشخاصًا معصوبي الأعين يُقتادون إلى حفرة قبل إطلاق النار عليهم، في مشاهد أصبحت لاحقًا من أبرز الأدلة البصرية المرتبطة بملف مجزرة التضامن.
«آنا» تتحول إلى فيلم
بعد سنوات من التحقيق، انتقلت القصة من صفحات التحقيقات الصحفية والأبحاث الأكاديمية إلى شاشة السينما الوثائقية.
فيلم «Killing Anna» للمخرج سام بنستيد، والذي تبلغ مدته نحو 76 دقيقة، يتناول رحلة شحود وأونغور في البحث عن هوية المسؤولين عن الجرائم، ويركز بصورة خاصة على شخصية «آنا» التي استخدمتها شحود خلال عملية التواصل مع أمجد يوسف.
الفيلم، الذي شارك في عروض مهرجانات وثائقية بينها مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية وSheffield DocFest، لا يروي فقط قصة التعرف إلى مشتبه به، بل يتناول أيضًا الثمن النفسي الذي دفعته شحود جراء استمرارها لسنوات في ارتداء شخصية افتراضية والتواصل مع أشخاص متهمين بارتكاب جرائم حرب.
وتظهر شحود في الفيلم وهي تستعيد قصة «آنا»، الشخصية التي صنعتها للتحقيق، قبل أن تحاول لاحقًا التخلص من هذه الهوية الافتراضية.
اعتقال أمجد يوسف
وبعد سنوات من كشف هويته، عاد اسم أمجد يوسف إلى الواجهة في أبريل/نيسان 2026، بعدما أعلنت السلطات السورية اعتقاله في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة.
وأفادت تقارير بأن يوسف كان مختبئًا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، قبل أن يتم توقيفه ونشر تسجيلات لعملية اعتقاله.
وبذلك انتقلت القضية من مرحلة التحقيق الصحفي والأكاديمي إلى مرحلة جديدة مرتبطة بالمساءلة القضائية، في وقت لا تزال فيه ملفات كثيرة من جرائم الحرب في سوريا قيد البحث والتحقيق.
قصة صحفية خلف شاشة صغيرة
ما يجعل قصة أنصار شحود مختلفة هو أن التحقيق لم يبدأ من غرفة تحقيق رسمية أو من مواجهة مباشرة، بل من البحث الرقمي وتتبع الصور والحسابات والعلاقات على مواقع التواصل.
شخصية «آنا» كانت في البداية مجرد هوية افتراضية، لكنها أصبحت الوسيلة التي مكنت الباحثة من الوصول إلى أحد الأشخاص الذين ارتبط اسمهم بتسجيلات مجزرة التضامن، ثم إجراء محادثات طويلة معه وتوثيق ما قاله.
واليوم، تحولت هذه التجربة إلى فيلم وثائقي عالمي يعيد سرد القصة من زاوية الباحثة نفسها: كيف صنعت «آنا»، كيف وصلت إلى أمجد يوسف، ماذا سمعت منه، وما الذي تركته سنوات التخفي والتواصل مع أحد المشتبه بهم في ذاكرتها وحياتها.
أما اسم «آنا»، الذي كان في البداية مجرد شخصية مستعارة على موقع التواصل الاجتماعي، فأصبح عنوانًا لفيلم يوثق واحدة من أكثر عمليات ال
تحقيق الرقمي إثارة للجدل في ملف الجرائم المرتبطة بالحرب السورية.
