![]() |
| صورة تعبريرة مولدة بالذكاء الصناعي |
مشهد الخبر - خاص - لم تبدأ قصة أجهزة «البيجر» التي انفجرت في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 يوم وصولها إلى أيدي عناصر حزب الله، ولم تكن، وفق التحقيقات المنشورة، عملية استخباراتية قصيرة المدى.
فخلف الانفجارات التي هزت لبنان يومي 17 و18 سبتمبر 2024، تظهر رواية عن عملية امتدت لسنوات، بدأت باختراق منظومة اتصالات حزب الله، ثم انتقلت إلى إدخال أجهزة اتصال جرى تعديلها سرًا، قبل أن تتحول تلك الأجهزة إلى وسيلة تفجير متزامنة.
وتكشف تصريحات جديدة لوزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت تفاصيل إضافية عن مرحلة سبقت التفجيرات، بينها قوله إن عملية متكاملة لاستخدام أجهزة الاتصال ضد القوة القتالية لحزب الله طُرحت في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ألغى تنفيذها آنذاك.
لكن هذه النقطة تحديدًا تبقى رواية منسوبة إلى غالانت، ولا ينبغي التعامل معها كحقيقة مستقلة محسومة.
البداية.. خطة عمرها سنوات
بحسب تحقيق موسع نشرته واشنطن بوست في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2024، بدأت إسرائيل إدخال أجهزة اتصال لاسلكية مفخخة إلى منظومة حزب الله منذ نحو عام 2015.
وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية وأمريكية وشرق أوسطية تحدثت للصحيفة، احتوت أجهزة الاتصال على متفجرات مخفية، لكنها بقيت لسنوات وسيلة للتنصت وجمع المعلومات، مع الاحتفاظ بإمكانية تحويلها إلى عبوات ناسفة في حال اتخاذ قرار باستخدامها.
أما فكرة أجهزة «البيجر» فظهرت، وفق المصادر نفسها، في عام 2022، عندما بدأت عملية البحث عن وسيلة يمكن أن تقنع حزب الله باستبدال وسائل الاتصال التي يخشى تعرضها للاختراق الإسرائيلي.
وبذلك لم يكن الهدف مجرد زرع متفجرات في أجهزة موجودة لدى الحزب، بل إقناع الحزب نفسه بشراء الأجهزة وإدخالها إلى شبكته الداخلية.
«بيجر» يبدو عاديًا.. لكنه لم يكن كذلك
خلال عام 2023، بدأ حزب الله، بحسب تحقيق واشنطن بوست، في تلقي أجهزة «Apollo AR924» التي تحمل علامة تجارية تايوانية.
وبدا الجهاز مناسبًا لطبيعة عمل الحزب؛ فهو متين، يعمل لفترات طويلة، ولا يعتمد على شبكة الهاتف الخلوي التقليدية.
لكن التحقيق أشار إلى أن الأجهزة كانت قد عُدلت بحيث تحتوي على شحنة متفجرة مخفية داخل وحدة البطارية، مع آلية تفجير يمكن تشغيلها عن بُعد.
وبحلول فبراير/شباط 2024، كان حزب الله قد بدأ توزيع هذه الأجهزة على عناصره، وفق التحقيق، بعد حصوله على نحو 5 آلاف جهاز.
وفي تحقيق لاحق نشرته رويترز في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024، ظهرت تفاصيل تقنية إضافية بشأن طريقة إخفاء المتفجرات داخل الأجهزة، في عملية وصفت بأنها اعتمدت على خداع سلسلة التوريد وإخفاء التعديل داخل مكونات الجهاز.
ماذا حدث في 11 أكتوبر 2023؟
هنا تنتقل القصة من المعلومات التي كشفتها التحقيقات الصحفية إلى رواية مسؤول إسرائيلي سابق.
ففي تصريحات أُفرج عنها حديثًا بعد خضوعها للرقابة العسكرية، قال غالانت إن 11 أكتوبر 2023 كان اليوم الذي جرى فيه، بحسب روايته، جمع أجهزة الاتصال ضمن «مفهوم» عسكري متكامل.
وقال إن الخطة كانت تستهدف القوة القتالية لحزب الله باستخدام أجهزة الاتصال، وإن نتنياهو ألغى العملية.
وتشكل هذه المعلومة أحد أكثر أجزاء القصة حساسية، لأنها تتعلق بقرار سياسي وعسكري محدد خلال الأيام الأولى من حرب غزة.
ولا توجد في المصادر المنشورة وثيقة مستقلة تثبت أن نتنياهو أصدر بالفعل أمرًا بإلغاء العملية بالطريقة التي وصفها غالانت؛ ولذلك فإن الصياغة الصحفية الأدق هي:
«بحسب غالانت، ألغى نتنياهو العملية في 11 أكتوبر 2023».
لماذا انفجرت الأجهزة في سبتمبر 2024؟
وفق تحقيق واشنطن بوست المنشور في 5 أكتوبر 2024، لم يكن جميع كبار المسؤولين السياسيين الإسرائيليين على علم بقدرة أجهزة «البيجر» المفخخة حتى 12 سبتمبر 2024، عندما عقد نتنياهو اجتماعًا مع مستشاريه الاستخباراتيين لمناقشة التعامل مع حزب الله.
وبحسب المصادر التي تحدثت للصحيفة، كان هناك تخوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن اكتشاف حقيقة الأجهزة قد يؤدي إلى انهيار العملية الاستخباراتية التي جرى إعدادها لسنوات.
ويضيف غالانت في روايته التي كُشف عنها حديثًا أن إسرائيل اشتبهت في أن حزب الله بدأ يكتشف طبيعة الأجهزة، وأنها استهدفت شخصًا في الحزب للاشتباه بعلاقته باكتشاف العملية، كما استهدفت معدات لفحص أجهزة «البيجر».
وهذه التفاصيل منسوبة إلى غالانت.
لكنها تتقاطع جزئيًا مع تصريحات أدلى بها نتنياهو في عام 2025، قال فيها إن إسرائيل علمت بأن حزب الله أرسل ثلاثة أجهزة «بيجر» إلى إيران لفحصها، وإن إسرائيل سبق أن استهدفت جهاز فحص وأحد الأشخاص المرتبطين به.
17 سبتمبر.. اللحظة التي انقلبت فيها أجهزة الاتصال إلى عبوات
في 17 سبتمبر/أيلول 2024، انفجرت آلاف أجهزة «البيجر» في وقت متقارب داخل مناطق عدة في لبنان.
وأفادت تقارير دولية آنذاك بسقوط قتلى وآلاف المصابين، فيما اتهم حزب الله إسرائيل بالمسؤولية عن العملية.
وقالت واشنطن بوست في تقريرها المنشور في اليوم نفسه إن أكثر من 2,800 شخص أصيبوا في الحصيلة الأولية، مع مقتل تسعة أشخاص على الأقل، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقًا.
وفي اليوم التالي، وقعت موجة ثانية استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية وأجهزة إلكترونية أخرى، ما أدى إلى سقوط قتلى ومئات المصابين.
وبحلول 19 سبتمبر، أعلن الأمين العام لحزب الله آنذاك حسن نصر الله أن الهجمات تمثل، من وجهة نظر الحزب، «عملًا حربيًا» ونسبها إلى إسرائيل.
أجهزة لاسلكية أكبر.. ولكن في المستودعات
وفق أحدث تصريحات غالانت، لم تكن أجهزة «البيجر» هي الجزء الأكبر من مخزون العملية.
وقال إن أجهزة الاتصال الأخرى كانت أكثر عددًا وتحتوي على كمية أكبر من المتفجرات، لكن المشكلة كانت أن معظمها كان موجودًا في مستودعات حزب الله عندما جرى تفعيلها، ولذلك لم يتحقق التأثير الذي كان يمكن أن يحدث لو كانت الأجهزة موزعة بين عناصر الحزب.
ويقول غالانت إن هذه العملية وقعت في اليوم التالي لانفجارات «البيجر».
وهذه المعلومة، مرة أخرى، رواية غالانت وليست رقمًا مستقلاً أعلنت عنه إسرائيل رسميًا.
ماذا نعرف على وجه اليقين؟
المؤكد من التسلسل الزمني أن:
أجهزة اتصال مفخخة أُدخلت إلى منظومة حزب الله قبل تفجيرات سبتمبر 2024 بسنوات، وفق تحقيقات صحفية استندت إلى مصادر أمنية.
حزب الله حصل على أجهزة «بيجر» وبدأ توزيعها على عناصره خلال 2024، وفق تحقيقات لاحقة.
انفجرت آلاف أجهزة «البيجر» في 17 سبتمبر 2024.
وقعت موجة ثانية من التفجيرات في 18 سبتمبر 2024 استهدفت أجهزة اتصال أخرى.
التحقيقات الصحفية اللاحقة قدمت أدلة وتفاصيل واسعة تربط العملية بإسرائيل، رغم أن إسرائيل لم تعلن رسميًا مسؤوليتها وقت وقوع التفجيرات.
أما التفاصيل المتعلقة بـخطة 11 أكتوبر 2023، وإلغاء نتنياهو لها، واكتشاف عنصر في حزب الله للخطة قبل سبتمبر 2024، وحجم المتفجرات في أجهزة الاتصال الأخرى، فينبغي تقديمها بوضوح باعتبارها روايات منسوبة إلى غالانت أو مصادر أمنية.
تكشف الصورة المتجمعة من التحقيقات والتصريحات أن عملية أجهزة الاتصال لم تكن مجرد هجوم مفاجئ في سبتمبر 2024، بل جاءت بعد سنوات من بناء قدرة استخباراتية واختراق منظومة الاتصالات.
بدأت القصة، وفق التحقيقات، بأجهزة اتصال لاسلكية أُدخلت إلى منظومة حزب الله منذ نحو 2015، ثم ظهرت فكرة «البيجر» عام 2022، وبدأت الأجهزة بالوصول إلى الحزب خلال 2023، قبل توزيعها على نطاق أوسع في 2024.
وفي 17 سبتمبر 2024 انفجرت أجهزة «البيجر»، ثم تبعتها أجهزة اتصال أخرى في اليوم التالي.
أما السؤال الأكثر إثارة للجدل، وهو لماذا لم تُنفذ العملية في أكتوبر 2023 وما إذا كان نتنياهو قد ألغى بالفعل خطة استخدام أجهزة الاتصال ضد القوة القتالية لحزب الله، فلا يزال قائمًا على رواية غالانت التي أُفرج عنها حديثًا، وليس على وثيقة رسمية منشورة تحسم الخلاف.
وبذلك، فإن قصة «البيجر» تبدو، وفق المعلومات المتاحة، عملية استخباراتية متعددة المراحل امتدت لسنوات، لكن بعض أهم تفاصيل قراراتها السياسية والعسكرية لا تزال محل روايات متباينة بين المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم.
