مشهد الخبر - تقرير خاص - في تطور يثير تساؤلات واسعة بشأن طبيعة المخاطر التي يستعد لها العالم، كشفت خريطة نشرتها مجلة «نيوزويك» الأمريكية في 28 تشرين الأول 2026 عن وجود 33 دولة حول العالم أصدرت إرشادات أو توصيات لمواطنيها بشأن الاحتفاظ بمخزون منزلي من المواد الغذائية ومياه الشرب والاحتياجات الأساسية، تحسباً لاحتمالات وقوع أزمات قد تؤدي إلى تعطّل الخدمات الحيوية أو اضطراب سلاسل الإمداد.
وتتوزع الدول الـ33 على ست قارات، بينها 17 دولة أوروبية، وثلاث دول في أمريكا الشمالية، وست دول في آسيا، وأربع دول في أمريكا الجنوبية، ودولتان في أوقيانوسيا، إضافة إلى دولة واحدة في القارة الأفريقية.
ولا تقتصر هذه التوصيات على الاحتفاظ بكميات إضافية من الطعام، بل تشمل توفير الأدوية والمستلزمات الطبية والبطاريات ومصادر الإضاءة البديلة وأجهزة الراديو ومياه الشرب، بما يسمح للأسر بالاعتماد على نفسها لفترات محددة إذا تعطلت الخدمات العامة أو تعذر الوصول إلى المتاجر.
أولاً: ما الدول الـ33 التي دعت مواطنيها إلى الاستعداد وتخزين المؤن؟
وفق القائمة التي تناولتها التقارير المنشورة استناداً إلى خريطة «نيوزويك»، تتوزع الدول على النحو التالي:
أوروبا – 17 دولة:
- بريطانيا.
- أيرلندا.
- فرنسا.
- ألمانيا.
- هولندا.
- الدنمارك.
- النرويج.
- السويد.
- فنلندا.
- إستونيا.
- لاتفيا.
- ليتوانيا.
- بولندا.
- التشيك.
- النمسا.
- سويسرا.
- كرواتيا.
أمريكا الشمالية – 3 دول: 18. الولايات المتحدة الأمريكية. 19. كندا. 20. المكسيك.
آسيا – 6 دول: 21. اليابان. 22. تايوان. 23. إسرائيل. 24. الهند. 25. الفلبين. 26. سنغافورة.
أمريكا الجنوبية – 4 دول: 27. البرازيل. 28. تشيلي. 29. كولومبيا. 30. الأرجنتين.
أوقيانوسيا – دولتان: 31. أستراليا. 32. نيوزيلندا.
أفريقيا – دولة واحدة: 33. جنوب أفريقيا.
وتجدر الإشارة إلى أن إدراج هذه الدول لا يعني أنها أصدرت جميعاً تحذيرات جديدة خلال عام 2026، أو أنها أعلنت حالة طوارئ، وإنما يعني وجود إرشادات وطنية أو محلية للاستعداد للأزمات، تختلف في طبيعتها ومدتها وأسبابها من دولة إلى أخرى.
ثانياً: كم يوماً تطلب الحكومات من مواطنيها تخزين الطعام؟
تختلف التوصيات الحكومية من بلد إلى آخر، لكن اللافت أن مدة 72 ساعة، أي ثلاثة أيام، أصبحت من أكثر الفترات شيوعاً في أدلة الاستعداد للطوارئ.
وتوجد دول تطلب من مواطنيها الاستعداد لفترات أطول، تصل إلى أسبوع أو عشرة أيام أو أسبوعين.
ومن أبرز الأمثلة:
ألمانيا: 10 أيام
توصي الهيئة الاتحادية للحماية المدنية والاستعداد للكوارث المواطنين بالقدرة على توفير احتياجاتهم الغذائية والمائية لمدة تصل إلى عشرة أيام، مع التأكيد أن توفير مؤن تكفي ثلاثة أيام يمثل بداية مفيدة لمن لا يستطيع تجهيز مخزون كامل.
وتشمل التوصيات الاحتفاظ بالأطعمة طويلة الصلاحية والمياه والمستلزمات الضرورية.
النرويج: أسبوع كامل
رفعت السلطات النرويجية توصيتها الخاصة بالاستعداد المنزلي من ثلاثة أيام إلى أسبوع، ودعت الأسر إلى توفير المياه والغذاء والأدوية والتجهيزات اللازمة للتعامل مع انقطاع الكهرباء وتعطل الخدمات.
السويد: سبعة أيام
تدعو السلطات السويدية الأسر إلى الاستعداد للقدرة على تدبير أمورها لمدة أسبوع على الأقل دون الاعتماد على المتاجر أو الخدمات المعتادة، في ظل احتمالات الأزمات والكوارث والتهديدات الأمنية.
النمسا: 14 يوماً
تتضمن الإرشادات النمساوية توصيات بالاحتفاظ بمخزون منزلي من الاحتياجات الأساسية يكفي نحو أسبوعين.
سويسرا: نحو أسبوع
توصي السلطات السويسرية بتوفير احتياجات غذائية تكفي نحو أسبوع، إلى جانب تسعة لترات من المياه لكل شخص، وهي كمية تكفي للشرب والطهي لمدة ثلاثة أيام وفق إرشاداتها.
بريطانيا وفرنسا وهولندا وكندا واليابان والمكسيك: 72 ساعة
تندرج هذه الدول ضمن الدول التي توصي بتجهيز احتياجات الطوارئ لمدة ثلاثة أيام على الأقل.
وتعكس هذه الاختلافات تفاوت تقييم المخاطر وطبيعة الظروف الجغرافية والأمنية والبنية التحتية لكل دولة.
ثالثاً: لماذا بدأت الحكومات تطلب من مواطنيها تخزين الطعام؟
لا يرتبط الأمر بسبب واحد، بل بمجموعة من المخاطر التي باتت الحكومات تضعها في حساباتها عند إعداد خطط الطوارئ.
1- احتمالات الحروب واتساع الصراعات العسكرية
تعد الحروب من أبرز المخاطر التي تدفع الحكومات إلى تعزيز استعدادها المدني، خصوصاً في أوروبا، حيث أدت الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الأمنية إلى إعادة النظر في قدرة المجتمعات على الصمود خلال الأزمات الطويلة.
وتخشى الحكومات من أن تؤدي النزاعات العسكرية إلى تعطيل الموانئ والمطارات وطرق النقل والتجارة، فضلاً عن احتمال استهداف منشآت الطاقة والاتصالات والبنية التحتية الحيوية.
2- الهجمات الإلكترونية وتعطيل البنية التحتية
لم تعد المخاطر الأمنية تقتصر على الهجمات العسكرية التقليدية، إذ أصبحت الهجمات السيبرانية تشكل تهديداً لشبكات الكهرباء والمياه والمصارف وأنظمة النقل والاتصالات.
وقد يؤدي هجوم إلكتروني واسع إلى تعطيل أنظمة الدفع الإلكتروني أو الخدمات المصرفية أو شبكات توزيع الطاقة، حتى دون وقوع مواجهة عسكرية مباشرة.
3- انقطاع الكهرباء والمياه
تضع الحكومات احتمال انقطاع الكهرباء والمياه لفترات طويلة ضمن سيناريوهات الطوارئ، خصوصاً في حالات الكوارث الطبيعية أو الأعطال الكبرى أو التخريب.
ويعني ذلك احتمال تعطل الثلاجات وأنظمة التدفئة والاتصالات ومضخات المياه، وهو ما يجعل وجود مخزون منزلي أمراً مهماً.
4- اضطراب سلاسل الإمداد العالمية
تعتمد دول كثيرة على استيراد المواد الغذائية والوقود والمنتجات الأساسية.
وأي اضطراب في حركة السفن التجارية أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل الموانئ قد يؤدي إلى تأخر وصول الشحنات وارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع في الأسواق.
5- الكوارث الطبيعية والتغير المناخي
تتضمن السيناريوهات التي تستعد لها الحكومات الفيضانات والحرائق والعواصف الثلجية والزلازل وموجات الحر الشديدة، وهي أحداث قد تؤدي إلى عزل مناطق سكنية وتعطيل حركة النقل والإمدادات.
رابعاً: الاتحاد الأوروبي يضع خطة استعداد تشمل السكان
في 26 آذار 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية استراتيجية جديدة حملت اسم «اتحاد الاستعداد الأوروبي»، بهدف تعزيز قدرة الدول الأوروبية ومجتمعاتها على مواجهة الأزمات المستقبلية.
ودعت الاستراتيجية إلى تعزيز جاهزية السكان، بحيث تكون الأسر قادرة على الاعتماد على نفسها لمدة لا تقل عن 72 ساعة في حالات الطوارئ.
وتناولت الخطة مجموعة واسعة من المخاطر، بينها:
- الحروب والتوترات الجيوسياسية.
- الهجمات الإلكترونية والتضليل المعلوماتي.
- الكوارث الطبيعية والتغير المناخي.
- الأزمات الصحية.
- انقطاع الخدمات الأساسية.
- اضطراب إمدادات الغذاء والمياه والطاقة.
كما تضمنت الاستراتيجية 30 إجراءً لتعزيز الاستعداد المدني والعسكري والتنسيق بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الحيوية.
واللافت أن المفوضية الأوروبية لم تتعامل مع الاستعداد باعتباره مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها، بل دعت إلى إشراك المواطنين والأسر والمؤسسات الاقتصادية في منظومة الاستعداد للأزمات.
خامساً: ماذا يجب أن تخزن الأسر في منازلها؟
تتفق معظم الإرشادات الحكومية على ضرورة توفير مجموعة من الاحتياجات الأساسية التي تساعد الأسرة على تجاوز الأيام الأولى من أي أزمة.
ومن أبرزها:
- مياه شرب كافية لكل فرد.
- الأرز والمعكرونة والحبوب.
- المعلبات الغذائية.
- البقوليات والفاصولياء والعدس.
- الحليب طويل الأجل.
- الأغذية التي لا تحتاج إلى التبريد.
- الأدوية الضرورية والعلاجات المنتظمة.
- حقيبة إسعافات أولية.
- مصابيح يدوية.
- بطاريات احتياطية.
- جهاز راديو يعمل بالبطارية.
- شواحن متنقلة للهواتف.
- مبالغ نقدية للطوارئ.
- مستلزمات النظافة الشخصية.
- احتياجات الأطفال وكبار السن.
وتشدد بعض الحكومات على أهمية توفير أطعمة يمكن تناولها دون الحاجة إلى الطهي، تحسباً لانقطاع الكهرباء أو الغاز.
كما توصي بتجديد المخزون بصورة دورية واستهلاك المواد القريبة من انتهاء صلاحيتها واستبدالها، بدلاً من شراء كميات كبيرة وتركها حتى تتلف.
سادساً: هل هناك استعداد لحرب عالمية؟
هذا السؤال يفرض نفسه مع اتساع قائمة الدول التي تشجع مواطنيها على الاحتفاظ بمخزون غذائي ومائي.
لكن من الضروري التمييز بين الاستعداد المدني للطوارئ والاستعداد لحرب وشيكة.
فالدعوة إلى تخزين الطعام لا تعني بالضرورة امتلاك الحكومات معلومات عن حرب قريبة، كما أن كثيراً من هذه التوصيات موجود منذ سنوات، وأعيد تحديثها أو التأكيد عليها مع تصاعد المخاطر الدولية.
ومع ذلك، فإن تطور هذه الإرشادات وتوسّع نطاقها يعكسان تغيراً واضحاً في نظرة الحكومات إلى الأمن المدني، إذ لم تعد الأزمات الكبرى تُعامل باعتبارها احتمالات بعيدة، بل أصبحت جزءاً من خطط الاستعداد الوطنية.
والأهم أن بعض الدول الأوروبية بدأت تتعامل مع احتمال تعطل الخدمات الحيوية لفترات طويلة باعتباره سيناريو يجب أن يكون السكان مستعدين له، سواء كان سببه حرباً أو كارثة طبيعية أو هجوماً إلكترونياً.
سابعاً: ماذا عن الدول العربية والأردن؟
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للدول العربية، نظراً إلى ارتباط الأمن الغذائي باستقرار طرق التجارة الدولية وتوافر الطاقة والمياه.
وتعتمد دول عربية عديدة على الاستيراد لتلبية جزء مهم من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها عرضة لتداعيات اضطراب الشحن البحري أو ارتفاع تكاليف النقل أو تعطل سلاسل التوريد.
أما الأردن، فتبرز أهمية الموضوع في ضوء حساسية موقعه الجغرافي والتحديات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي، إضافة إلى التطورات الإقليمية.
لكن يجب التفريق بين المخزون الاستراتيجي الذي تحتفظ به الدولة لضمان استمرار الإمدادات، وبين مطالبة المواطنين بتخزين الطعام في منازلهم.
ولا تتوافر ضمن المصادر التي جرى التحقق منها وثيقة رسمية تثبت صدور دعوة أردنية عامة مماثلة للتوصيات النرويجية أو السويدية بشأن تخزين مؤن منزلية لمدة أسبوع.
الخلاصة
إن دعوة 33 دولة لمواطنيها إلى الاحتفاظ بمؤن غذائية ومائية ليست إعلاناً عن حرب عالمية وشيكة، لكنها تكشف عن تحول مهم في سياسات الاستعداد المدني حول العالم.
فالحكومات باتت تنظر إلى احتمالات تعطل الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والتجارة باعتبارها مخاطر تستدعي استعداداً مسبقاً، ولم تعد تكتفي بوضع خطط الطوارئ داخل المؤسسات الرسمية، بل تسعى إلى جعل كل أسرة قادرة على تجاوز الأيام الأولى من الأزمة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مرحلة جديدة من الاستعداد العالمي للأزمات، أم أن العالم يدخل مرحلة طويلة من عدم الاستقرار تجعل الاستعداد للطوارئ جزءاً من الحياة اليومية؟
