أخر الأخبار
6/recent/اخبار -posts

مأساة النازحين في غزة وانهيار البنية التحتية




مشهد الخبر - تغيرت ملامح الحياة بشكل جذري ومأساوي للفلسطينيين في قطاع غزة خلال سنوات الحرب المتواصلة، حيث خلفت الدمار الشامل في كل مفاصل الحياة. فبينما فقد عشرات الآلاف أطرافهم أو حياتهم، بات مليون ونصف المليون فلسطيني نازحين قسراً، يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة في ظل انهيار تام للبنية التحتية وتعطّل شبه كامل للمنظومتين الصحية والتعليمية.

وتتفاقم الكارثة يوماً بعد يوم مع استمرار خطر انهيار المباني. فقبل أسابيع فقط، انهارت بناية "السعادة" السكنية في مدينة غزة على رؤوس قاطنيها، ما أسفر عن استشهاد 21 نازحاً بينهم نساء وأطفال، وإصابة العشرات. ويحذر جهاز الدفاع المدني من أن نحو 2000 منزل آخر باتت آيلة للسقوط، مما ينذر بكارثة إنسانية حقيقية مع اقتراب فصل الشتاء. ويعيش النازح سعيد عماد حمدين مع عائلته المكونة من 16 فرداً في أحد هذه المباني المصنفة "آيلة للسقوط"، حيث تسقط الحجارة والرمال من السقف يومياً، بينما ترعى المسنة مسعدة أبو جراد ابنيها المرضى في بناية أخرى يميل هيكلها بشكل واضح بسبب الأعمدة المتكسرة، دون أن يكون لديهما أي بديل آمن للمأوى.

أما على الصعيد الاجتماعي والإنساني، فقد تحملت آلاف النساء عبء إعالة أسرهن بعد فقدان أزواجهن وأبنائهن. وتروي الفلسطينية شيرين أبو بيض، التي فقدت زوجها وابنيها خلال الحرب، معاناتها اليومية في رعاية أبنائها الخمسة ووالدتها المسنة وأيتام شقيقها، بينما تعيش مع عائلتها في خيمة على رصيف شارع تتناثر فيه القوارض والحشرات. وفي قصة مشابهة، يروي عبد الرحمن الخضري، الذي لم يتبقَ من عائلته المكونة من 10 أفراد سوى 4 فقط، كيف خرج من تحت الركام بعد أن فقد والديه وإخوته، وبترت قدمه خلال قصف ساحة مستشفى الشفاء، ليصبح اليوم المعيل الوحيد لأشقائه، يبيع الأخشاب بصعوبة لتوفير لقمة العيش.

وعلى الصعيد الصحي، تُظهر الأرقام حجم المأساة، حيث خلفت الحرب نحو 74 ألف شهيد وأكثر من 170 ألف مصاب. ولا يزال هناك نحو 20 ألف مريض وجريح يحتاجون إلى تحويلات علاجية عاجلة للسفر، من بينهم 2400 حالة حرجة، في وقت تسمح فيه الآليات الإسرائيلية البطيئة بسفر بضع مئات فقط، مما يجعل قوائم الانتظار حكماً بالإعدام للكثيرين. ويعاني أحمد سعدي موسي، المصاب بالشلل ويعيش بكلية واحدة، من تفاقم حالته الصحية بسبب انسداد الشرايين، وهو ينتظر بفارغ الصدر موافقة على تحويلته الطبية لإنقاذ حياته من الفشل الكلوي.

وتتزامن هذه الأزمة الصحية مع كارثة بيئية وصحية متمثلة في انهيار منظومة الصرف الصحي والمياه. فقد دمرت الحرب نحو 220 ألف متر طولي من شبكة الصرف الصحي في مدينة غزة وحدها، مما اضطر السكان لاستخدام حفر امتصاصية بدائية أو إلقاء المياه العادمة في الشوارع والبحر. ويتشارك النازح أحمد راتب الحلو مع خمس عائلات أخرى استخدام دورة مياه واحدة متصلة بحفرة تمتلئ كل ثلاثة أشهر، في بيئة ملوثة تجذب الحشرات والقوارض. أما بالنسبة للمياه، فيضطر النازحون مثل صدام حلس للوقوف في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس أو في البرد للحصول على مياه قد تكون عكرة أو غير صالحة للشرب، مما يتسبب بانتشار النزلات المعوية والإسهال بين الأطفال بشكل واسع.

وفي ظل هذه المعطيات، دخلت أحياء كاملة ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الإسرائيلي، الذي قضم نحو 60% من مساحة القطاع، محصراً السكان في مناطق ضيقة ومكتظة مثل منطقة المواصي ذات المناخ الصحراوي القاسي، حيث تتحول الخيام إلى أفران في الصيف وأماكن غارقة في الشتاء. ومع محو أكثر من 2700 عائلة تماماً من السجل المدني، وتدمير 40 ألف أسرة، لم تعد الحرب مجرد نزاع عابر، بل تحولت إلى مأساة وجودية مستمرة، حيث يكافح الناجون يومياً من أجل أبسط مقومات الحياة: ماء نظيف، وسقف آمن، وعلاج ينقذ ما تبقى من أرواحهم.


اقرأ أيضًا أهم الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
عاجل