أخر الأخبار
6/recent/اخبار -posts

الخيام والسيارات.. مكاتب صحافيي غزة الجديدة




مشهد الخبر - لم تعد بيئة العمل الصحافي في قطاع غزة تشبه تلك المألوفة لدى معظم الصحفيين حول العالم، فبعد سنوات من الحرب الإسرائيلية المدمرة، لم يعد الصحافيون والمصورون يمارسون مهنتهم من مكاتب مجهزة أو أمام حواسيبهم في مساحات مخصصة للتحرير، بل تحولت الخيام، ومراكز الإيواء، وأماكن النزوح، بل وحتى السيارات، إلى "غرف أخبار" بديلة، في ظل ظروف إنسانية ومهنية بالغة القسوة لا تفصل فيها سوى بخط رفيع بين الصحافي والنازح.

وفي تفاصيل هذا التحول الجذري، بات الهاتف المحمول هو "غرفة الأخبار المحمولة" التي يحملها الصحافي الفلسطيني أينما ذهب، فمن خلاله يتلقى التكليفات، ويتواصل مع المصادر، ويسجل المقابلات، ويلتقط الصور والفيديوهات، ويكتب النصوص ويرسلها إلى المؤسسات الإعلامية. وفي كثير من الأحيان، يصبح هذا الجهاز الصغير الوسيلة الوحيدة المتاحة لإنجاز القصة الصحافية كاملة، بعدما فقد عدد كبير من الصحفيين مكاتبهم وأجهزتهم ومعداتهم المهنية خلال الحرب.

من المكاتب المدمرة إلى الخيام المتهالكة

ويوضح مراسل "التلفزيون العربي"، عاصم النبيه، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الصحافي الفلسطيني يكابد الظروف الإنسانية ذاتها التي يعيشها سكان القطاع، من تدمير وخوف وتجويع ونزوح مستمر، إلى جانب المخاطر الإضافية الناتجة عن استهداف الاحتلال المباشر للعمل الصحفي وارتفاع أعداد الشهداء في صفوف المهنة. ويشير إلى أن تدمير المقار الصحافية لا يقتصر على فقدان أماكن العمل فحسب، بل يمتد ليشمل المعدات، وأدوات السلامة المهنية، وأجهزة البث والمونتاج، مما يضطر الصحفيين أحياناً إلى تحويل سياراتهم إلى استوديوهات مؤقتة، بإغلاق نوافذها لتوفير الحد الأدنى من الهدوء اللازم للتسجيل.

ويضيف النبيه أن العمل من الخيام الميدانية، في ظل الحر والبرد ونقص الإنترنت والكهرباء والمستلزمات الأساسية، ينعكس سلباً على جودة المنتج الصحفي، مشيراً إلى أن الاحتلال سعى منذ بداية الحرب إلى جعل العمل الصحفي شبه مستحيل، عبر استهداف الصحفيين وفرض قيود وممارسات تعرقل نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم.

جغرافية جديدة للعمل وضياع المعدات

من جهته، يؤكد المصور الصحفي محمد أسعد أن الحرب تركت أثراً بالغاً على العمل الصحفي في غزة، بعدما استهدفت المكاتب والأبراج، ثم دمرت المنازل التي كانت بالنسبة إلى كثير من الصحفيين بديلاً عن المكاتب، ما دفعهم إلى النزوح والانشغال بتأمين عائلاتهم. ويوضح أن النزوح غيّر جغرافية العمل الصحفي، إذ انتقل الصحفيون إلى مناطق تفتقر إلى الإنترنت والمواصلات، فيما أدى انقطاع الوقود والاتصالات إلى صعوبة الوصول إلى الأحداث أو إرسال المواد في وقتها.

ويكشف أسعد عن أنه فقد شخصياً أجهزة الحاسوب والشاشات ومكتب العمل وبعض معداته، بما فيها إحدى كاميراته، مشيراً إلى أن الصحفيين باتوا يعتمدون على خيام أو مساحات مؤقتة توفرها نقابة الصحفيين وبعض المؤسسات الداعمة، لكن الوصول إليها ليس متاحاً دائماً بسبب بعد أماكن النزوح وصعوبة المواصلات. ورغم كل ذلك، يؤكد أن الصحفيين يحاولون "إنقاذ الصورة" ونقل ما يحدث في غزة بكل ما هو متاح.

غياب المساحة النفسية وتحديات التركيز

ولا تتوقف المشكلة عند الجانب التقني والمادي فحسب، فغياب المكتب يعني أيضاً غياب المساحة النفسية التي يحتاجها الصحفي للعمل، ففي المقر يمكن إغلاق الباب لبضع ساعات والتركيز على مهمة محددة، بينما لا يستطيع الصحفي داخل الخيمة عزل نفسه عن محيطه، حيث تتداخل أصوات الأطفال، وحركة أفراد العائلة، ودخول وخروج النازحين، وضيق المكان، مما يجعل التركيز على كتابة قصة أو تحرير مادة مهمة أكثر صعوبة واستهلاكاً للوقت.

وتروي مراسلة وكالة "معاً" الإخبارية، فداء حلس، أن فقدان مقر الوكالة في "برج وطن" المدمر، بما يضمه من معدات وتجهيزات، أجبرها على العمل من أماكن مؤقتة، متنقلة بين خيمة نقابة الصحفيين، ومستشفى شهد الأقصى، ومكاتب الزملاء، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات العمل الصحفي. وتوضح أن غياب المقر يضاعف مشقة العمل، إذ تخرج إلى الميدان لجمع المعلومات والشهادات والصور، ثم تعود إلى خيمة مكتظة لتفريغ المقابلات وكتابة التقارير وإرسالها، وسط انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت والضوضاء وارتفاع درجات الحرارة.

البحث عن الكهرباء والإنترنت.. مهمة تسبق العمل

وتشير حلس إلى أن الصحفي بات يقضي جزءاً كبيراً من وقته في البحث عن مكان تتوفر فيه الكهرباء والإنترنت لشحن أجهزته وإرسال تقاريره، بعدما فقد منزله ومكتبه ومعداته، ويضطر أحياناً إلى التنقل سيراً على الأقدام، مضيفة أنها تنجز التصوير والمقابلات وكتابة التقارير والتواصل مع غرفة الأخبار عبر الهاتف المحمول، في ظل غياب مساحة هادئة تساعدها على التركيز ومراجعة المعلومات.

وتؤكد أن التحديات الراهنة تجعل تأمين مستلزمات العمل والظروف المناسبة لإنجازه مهمة تسبق العمل الصحفي نفسه، وتؤثر على سرعة الإنتاج والقدرة على التركيز، ورغم ذلك، تشدد على مواصلة التغطية الميدانية والتمسك بالمعايير المهنية، إيماناً بضرورة نقل الأحداث مهما تغيرت الظروف المحيطة.

وفي الختام، قد يكون "المكتب" الجديد للصحافي في غزة مجرد طاولة صغيرة في زاوية خيمة، أو مقعداً في مركز إيواء، أو مكاناً مؤقتاً بجوار مصدر للكهرباء، أو حتى سيارة متوقفة في شارع تتوفر فيه شبكة اتصال. المهم أن يجد الصحافي مساحة صغيرة يستطيع فيها إنجاز عمله، وإرسال قصته، ونقل صوت غزة إلى العالم رغم كل الظروف.

اقرأ أيضًا أهم الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
عاجل