مشهد الخبر - كشفت السلطات العراقية مؤخراً عن تفاصيل شبكة إجرامية خطيرة في جانب الرصافة بالعاصمة بغداد، تستغل الضائقة المالية للمواطنين ذوي الدخل المحدود، وتحول ديونهم إلى فخاخ تدفعهم للمساومة على بيع أعضائهم البشرية، في ظاهرة تسلط الضوء على التداخل المأساوي بين الفقر والاتجار بالبشر.
آلية الاستغلال: من الدين إلى المشرط
وفقاً لبيان وزارة الداخلية العراقية ووكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية، تعتمد الشبكة على أسلوب ممنهج يبدأ باستهداف أشخاص يعانون من أزمات مالية، وإغرائهم بمنح قروض أو سلف بفوائد مرتفعة. ومع تراكم الفوائد واستحالة الوفاء بشروط السداد، يتحول الدين إلى أداة ابتزاز، حيث يُعرض على المقترض "حل" وحيد لتسوية ديونه يتمثل في بيع إحدى كليتيه. وقد أسفرت الحملة الأمنية عن اعتقال 4 متهمين، بينهم امرأتان، وضبط هواتف وسجلات دقيقة توثق عمليات الإقراض ومساومات استغلال الضحايا.
ظاهرة متجذرة وشبكات تتجاوز الحدود
لا تمثل هذه الحادثة حالة معزولة، بل هي جزء من نمط متصاعد. ففي تحقيقات استقصائية سابقة (منصة "نيريغ" و"درغ" في يوليو 2025)، وُثق نشاط سماسرة يستدرجون المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتراوحت المبالغ المعروضة على البائع بين 12 و15 مليون دينار عراقي، بينما تتجاوز قيمة الصفقة الفعلية ذلك بكثير، أحياناً حتى 50 مليون دينار، يستحوذ الوسطاء على الغالبية العظمى منها. وفي بعض الحالات، يتم ترتيب سفر الضحايا إلى دول مجاورة مثل إيران لإجراء العمليات، ليعودوا لاحقاً وهم يعانون من مضاعفات صحية خطيرة تؤثر على جودة حياتهم.
إحصائيات مقلقة وتحديات في المكافحة
تؤكد الأرقام الرسمية اتساع رقعة هذه الجرائم؛ إذ سجل مجلس القضاء الأعلى 183 قضية اتجار بالبشر في أغسطس 2026، مقارنة بـ167 قضية في الشهر الذي سبقه. كما وثق المرصد العراقي لحقوق الإنسان 385 ضحية للاتجار بالبشر خلال عام 2025، مقابل 5107 موقوفاً في قضايا مرتبطة بهذه الجرائم، مما يشير إلى فجوة كبيرة بين حجم الملاحقات الأمنية وعدد الضحايا الذين يتم إنقاذهم أو التعرف عليهم فعلياً.
خاتمة
تطرح قضية "شبكة الرصافة" تحدياً أمنياً وإنسانياً يتجاوز مجرد ملاحقة السماسرة؛ فهي تدق ناقوس الخطر حول ضرورة حماية الفئات الأكثر هشاشة من استغلال أزماتهم المعيشية. وتبقى المعضلة الأكبر في كيفية سد الثغرات القانونية والاجتماعية التي تحول الحاجة الماسة للمال إلى تجارة رخيصة تمس سلامة الإنسان وتنتهك حقوقه الأساسية.
