مشهد الخبر - تُعد ظاهرة فقدان الشهية أثناء الحمل من أكثر المفارقات التي تُفاجئ النساء في بداية رحلة الأمومة.
فبينما تتوقع الحامل أن تتضاعف رغبتها في الطعام لتغذية جنينها، تجد نفسها أحياناً تُبعد الطبق وتشعر بنفور حقيقي من أطعمة كانت تُفضلها سابقاً.
ولا يُعد هذا الشعور وهماً أو مبالغة، بل هو انعكاس لتغيرات جسدية ونفسية عميقة ترافق الحمل منذ أسابيعه الأولى، تماماً كما يُغير الوحم الرغبات الغذائية بشكل مفاجئ.
لماذا يحدث فقدان الشهية؟ الثورة الهرمونية
يبدأ تفسير هذه الظاهرة من داخل الجسم نفسه، حيث يُحدث الحمل تحولات هرمونية واسعة تطال حتى مركز الشهية في الدماغ:
هرمون hCG: يرتفع هرمون الغونادوتروبين المشيمي البشري بشكل حاد في الأسابيع الأولى، ويؤثر مباشرة على منطقة ما تحت المهاد المسؤولة عن تنظيم الجوع، مما يؤدي إلى تراجع الرغبة في الطعام.
هرمون الإستروجين: يعزز حدة حاسة الشم لدى الحامل، فتتحول الروائح المعتادة إلى مصادر إزعاج، ما يقلل الرغبة في الأكل تلقائياً.
وتؤكد الأبحاث المنشورة في مجلة "American Journal of Obstetrics and Gynecology" أن نحو 80 بالمئة من الحوامل يعانين من درجات متفاوتة من الغثيان وفقدان الشهية خلال الثلث الأول، وهي تغيرات طبيعية في حدودها المعقولة لكنها تستوجب متابعة دورية.
أسباب مفاجئة لا تتوقعها كثيرات
إلى جانب العوامل الهرمونية، توجد أسباب أقل شيوعاً لكنها لا تقل أهمية:
نقص الحديد: يشكل مفارقة لافتة، إذ يسبب نقص الحديد فقدان الشهية، وفي الوقت نفسه يؤدي فقدان الشهية إلى نقص أكبر في الحديد، مما يشكل حلقة مفرغة تتطلب تدخلاً طبياً.
القلق النفسي: يعانين كثير من الحوامل توتراً مرتبطاً بالولادة أو بتغيرات الحياة، ويثبت علم الأعصاب أن هرمون الكورتيزول الناتج عن الإجهاد يثبط الشهية مباشرة.
ضغط الرحم: ابتداءً من الشهر السادس، يضغط الرحم المتنامي على المعدة، مما يجعل الحامل تشعر بالشبع السريع حتى بعد تناول كميات صغيرة من الطعام.
متى يصبح الأمر مقلقاً؟
رغم أن فقدان الشهية في حدوده المعقولة يُعد مقبولاً، إلا أن هناك إشارات تحذيرية لا يجوز تجاهلها:
فقدان واضح في الوزن يتجاوز كيلوغرامين خلال الثلث الأول.
علامات الجفاف مثل تراجع ملحوظ في كمية البول.
الحالة المعروفة بـ"التقيؤ الحملي الحاد" (Hyperemesis Gravidarum)، وهي الشكل الأشد من الغثيان المترافق مع فقدان شهية كامل، وقد تستوجب العلاج الوريدي في المستشفى وفق توصيات الأكاديمية الأمريكية لأطباء التوليد والنساء (ACOG).
استمرار فقدان الشهية حتى الثلثين الثاني أو الثالث دون تحسن، نظراً لأن الجنين في مرحلة النمو السريع يحتاج إلى تغذية ثابتة.
استراتيجيات آمنة للتعامل مع الحالة
يمكن تجاوز هذه المرحلة بأقل الانعكاسات الصحية عبر خطوات عملية، بشرط استشارة الطبيب قبل تطبيق أي منها:
تقسيم الوجبات: تناول حصص صغيرة ومتكررة كل ساعتين إلى ثلاث ساعات، لأن المعدة الفارغة تفاقم الغثيان وتعمّق فقدان الشهية، وهي استراتيجية أثبتت فعاليتها دراسات منشورة في مجلة "Nutrients".
اختيار الأطعمة الباردة: الإقبال على الأطعمة الخفيفة الرائحة والباردة أو الفاترة، لأن الروائح الحارة تزيد الشعور بالغثيان.
التركيز على الكثافة الغذائية: اعتماد أطعمة غنية بالعناصر الأساسية رغم حجمها الصغير، مثل المكسرات، البيض، اللبن، والأفوكادو، لتعويض النقص في كميات قليلة.
ما الأثر الحقيقي على الجنين؟
يُقدم الأطباء إجابة متوازنة بين الطمأنة والتنبيه؛ فالجنين في الأشهر الأولى صغير الحجم نسبياً، ولذلك لا يشكل فقدان الشهية قصير المدى في الثلث الأول عادةً خطراً مباشراً عليه. لكن الوضع يختلف حين يمتد الأمر ويترافق مع سوء تغذية فعلي، إذ إن نقص حمض الفوليك والحديد والكالسيوم والبروتين في مراحل النمو الحرجة قد يؤثر على تطور الجهاز العصبي للجنين ووزنه عند الولادة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التغذية السليمة للأم تبقى من أبرز محددات صحة المولود على المدى البعيد.
