مشهد الخبر - من تبنة في لواء الكورة شمالي الأردن، تبرز سيرة الشيخ كليب الشريدة بوصفها واحدة من الحكايات المرتبطة بتاريخ الزعامات العشائرية الأردنية، في مرحلة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وتداخلت فيها الروابط العائلية مع النفوذ المحلي ومشروع تأسيس الدولة الحديثة.
لم يكن الشيخ كليب الشريدة مجرد اسم في سجل الزعامات العشائرية، بل ارتبط اسمه بتاريخ منطقة الكورة ومواقفها خلال أواخر العهد العثماني وبدايات تأسيس إمارة شرق الأردن، كما ارتبطت سيرته بروايات متوارثة عن أصول عائلته وجذورها التاريخية، التي تشير بعض المصادر إلى صلتها ببني مخزوم من قريش، فيما تتداول روايات عائلية نسباً خالديّاً مخزوميّاً.
كليب الشريدة.. زعيم من شمال الأردن
يُعرف الشيخ كليب بن يوسف الشريدة بأنه أحد أبرز زعماء منطقة الكورة في محافظة إربد، وقد ارتبط اسمه ببلدة تبنة التي شكّلت مركزاً لنفوذه الاجتماعي والعشائري.
وتشير المراجع التي تناولت سيرته إلى أن ولادته كانت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1865 وفقاً لبعض المصادر، فيما تذكر مراجع أخرى عام 1872. أما وفاته، فتُؤرخ بعام 1941 في عدد من الكتابات التاريخية.
وقد عاش الشريدة في مرحلة اتسمت بضعف السيطرة المركزية في بعض مناطق شرق الأردن، وازدياد أهمية الزعامات المحلية في إدارة شؤون السكان وتسوية النزاعات والمحافظة على التوازنات الاجتماعية.
ومن خلال مكانته العشائرية، أصبح شخصية مؤثرة في محيطه، وارتبط اسمه بالمضافة التي كانت تمثل مركزاً لاستقبال الضيوف وعقد المجالس ومعالجة الخلافات بين أبناء المنطقة.
من الكرك إلى الكورة.. رواية عن جذور العائلة
تتحدث روايات تاريخية وعائلية عن جذور أسرة الشريدة وارتباطها بعشيرة حماد، التي تُنسب في بعض المصادر إلى وادي بن حماد في منطقة الكرك، قبل انتقال أفراد منها إلى شمال الأردن واستقرارهم في بلدة تبنة بلواء الكورة.
وتشير رواية منشورة في مصادر أردنية إلى أن حماد وأخويه شافع ونافع ارتبطوا بمسار هجرة من الحجاز إلى الكرك، ثم تفرقت فروع الأسرة في مناطق مختلفة، بينها الكورة ونابلس والقدس.
وتربط هذه الرواية بين فرع الشريدة في الكورة وعائلة حماد، وبين فروع أخرى تحمل أسماء عائلية مختلفة في فلسطين، من بينها عائلتا شاهين والخالدي.
وتكشف هذه الرواية، إن ثبتت تفاصيلها عبر الوثائق والسجلات العائلية، عن مسارات انتقال اجتماعي وجغرافي شهدتها المنطقة عبر أجيال متعاقبة، في زمن لم تكن فيه الحدود السياسية الحالية قد استقرت بصورتها المعروفة اليوم.
ومع ذلك، فإن تحديد الصلات الدقيقة بين هذه العائلات يحتاج إلى مقارنة الروايات المتوارثة بالمخطوطات والوثائق التاريخية، وعدم الاكتفاء بتشابه الأسماء أو ما يرد في الكتابات المتأخرة.
الشريدة وبنو مخزوم.. النسب القرشي في الروايات التاريخية
تذكر بعض المصادر الأردنية التي تناولت أصول عشيرة الشريدة أن جذورها تعود إلى بني مخزوم، أحد البطون المعروفة من قبيلة قريش في مكة.
وتكتسب هذه الرواية أهميتها من المكانة التاريخية لبني مخزوم، الذين برز منهم عدد من الشخصيات المعروفة في التاريخ العربي والإسلامي، وفي مقدمتهم الصحابي خالد بن الوليد، الذي يُعرف بنسبه: خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي.
كما تظهر في بعض الكتابات العائلية تسمية «الشريدة الخالدي المخزومي»، وهي صيغة تعكس الرواية النسبية المتداولة لدى بعض أفراد الأسرة.
لكن من الضروري التمييز بين الانتساب إلى بني مخزوم والانتساب المباشر إلى خالد بن الوليد؛ فبنو مخزوم بطن قرشي واسع، ولا يعني الانتساب إليه بالضرورة أن العائلة تنحدر من خالد بن الوليد شخصياً.
ولإثبات هذا الاتصال المباشر، لا بد من وجود سلسلة نسب متصلة بأسماء الأجداد، تدعمها مصادر تاريخية أو وثائق عائلية موثوقة.
بنو خالد وخالد بن الوليد.. ما الذي تقوله الروايات؟
يرتبط اسم بني خالد في الذاكرة العربية بتاريخ قبلي واسع، وتوجد قبائل وفروع تحمل هذا الاسم في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية وبلاد الشام.
غير أن نسب قبيلة بني خالد الكبرى ظل موضع نقاش بين عدد من النسّابين والباحثين؛ إذ تذهب روايات إلى ربطها بفروع من بني عامر بن صعصعة من هوازن، فيما تربطها روايات أخرى ببني غزية من طيء، بينما تتبنى بعض الكتابات رواية الانتساب إلى خالد بن الوليد من بني مخزوم.
وهذا الاختلاف يجعل من غير الدقيق الجزم بأن جميع من يحمل اسم بني خالد ينحدرون من خالد بن الوليد، كما لا يصح اعتبار التشابه بين أسماء العشائر دليلاً كافياً على وحدة الأصل.
ومن هنا، فإن الرواية التي تربط الشريدة ببني مخزوم، أو تصفها بأنها خالديّة مخزومية، ينبغي دراستها في سياقها العائلي المحدد، والتحقق مما إذا كانت تتضمن سلسلة نسب موثقة تصل بين الأجداد المعروفين والشخصية التاريخية المقصودة.
فالنسب المخزومي القرشي، إن ثبت، لا يساوي بالضرورة النسب المباشر إلى خالد بن الوليد، كما أن الانتساب إلى قبيلة بني خالد لا يحسم وحده هذه المسألة.
عصيان الكورة عام 1921.. محطة بارزة في تاريخ الشريدة
تُعد أحداث الكورة عام 1921 من أبرز المحطات المرتبطة بسيرة الشيخ كليب الشريدة، إذ وقعت في السنوات الأولى لتأسيس إمارة شرق الأردن، خلال مرحلة كانت فيها العلاقة بين الزعامات المحلية والسلطة المركزية تشهد توترات بشأن الإدارة والضرائب والنفوذ.
وتذكر روايات تاريخية أن الخلافات تصاعدت في منطقة الكورة، قبل أن تتطور إلى مواجهة مع قوة حكومية، ثم تتبعها مساعٍ لتسوية الأزمة.
وتتناول بعض الروايات لجوء كليب الشريدة إلى الأمير عبدالله بن الحسين، الذي صدر عفو عنه، في سياق الجهود الرامية إلى احتواء التوتر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
وتكشف هذه الأحداث عن طبيعة التحديات التي واجهت إمارة شرق الأردن في بداياتها، عندما كان بناء مؤسسات الدولة الحديثة يتطلب التفاوض مع الزعامات العشائرية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والمجتمعات المحلية.
ولا ينبغي قراءة هذه الأحداث بمعزل عن ظروفها السياسية والاجتماعية؛ فقد كانت المنطقة تمر بمرحلة انتقالية تداخلت فيها المصالح المحلية مع التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكم العثماني.
موقف من النشاط الصهيوني في شرق الأردن
تتداول بعض المصادر الصحفية التاريخية موقفاً منسوباً إلى الشيخ كليب الشريدة في ثلاثينيات القرن الماضي، يتعلق برفض محاولات استئجار الأراضي في شرق الأردن لأغراض مرتبطة بالنشاط الصهيوني.
وتستند إحدى المواد المنشورة في هذا السياق إلى خبر يعود إلى عام 1935 في صحيفة «الدفاع» الفلسطينية، وتنقل تصريحاً منسوباً إليه عبّر فيه عن رفضه لهذه المحاولات.
ويضع هذا الموقف، إذا ما تأكد نصه وسياقه بالرجوع إلى العدد الأصلي للصحيفة، الشريدة ضمن الشخصيات المحلية التي تفاعلت مع التطورات السياسية المرتبطة بفلسطين وشرق الأردن خلال فترة الانتداب البريطاني.
ويظل الرجوع إلى الصحيفة الأصلية ضرورياً لتحديد نص التصريح بدقة، ومعرفة ظروف نشره، وتجنب نسبة عبارات إلى الشخصية التاريخية من دون التحقق من مصدرها.
إرث عائلي امتد إلى الحياة العامة
لم ينته حضور عائلة الشريدة بوفاة كليب، بل استمر اسمها في الحياة العامة الأردنية من خلال شخصيات تولت مواقع سياسية وإدارية، وأخرى برزت في مجالات مختلفة.
ومن الأسماء المرتبطة بالعائلة عبدالله كليب الشريدة، الذي تولى مناصب وزارية، ويوسف عبدالله كليب الشريدة، الذي عُرف بعمله في طب العيون وعضويته في مجلس الأعيان الأردني، إضافة إلى عادل صالح كليب الشريدة، الذي تولى منصب وزير دولة.
ويمثل هذا الحضور امتداداً لدور العائلات المحلية في الحياة السياسية والاجتماعية الأردنية، حيث انتقل بعض أفرادها من الزعامة العشائرية التقليدية إلى العمل في مؤسسات الدولة والمجالات المهنية.
بين الذاكرة العائلية والتوثيق التاريخي
تقدم سيرة كليب الشريدة نموذجاً لشخصية ارتبطت بتاريخ شمال الأردن في مرحلة شديدة التحول، كما تفتح روايات نسب أسرته الباب أمام البحث في الروابط التاريخية بين عشائر الأردن وفروع العائلات التي انتقلت بين الحجاز والكرك والكورة وفلسطين.
وتظل الروايات التي تربط الشريدة ببني مخزوم وبني خالد جزءاً من الذاكرة النسبية المتداولة، لكنها تحتاج إلى دراسة متخصصة تفصل بين الروايات العائلية، والمعلومات التي تسندها الوثائق، وما يمكن إثباته وفق مناهج البحث التاريخي.
فالتاريخ العشائري لا يقوم على الأسماء وحدها، بل على تتبع الأجداد، ومقارنة الوثائق، وفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها المنطقة عبر القرون.
وفي حالة كليب الشريدة، تتقاطع ثلاثة مسارات تستحق البحث: سيرة زعيم محلي أسهم في تشكيل تاريخ الكورة، وتاريخ أسرة ارتبطت بروايات عن الهجرة والاستقرار في الأردن وفلسطين، ومسألة نسب قرشي مخزومي تحتاج إلى تحقيق موثق لتحديد مدى اتصالها بخالد بن الوليد.
وبين هذه المسارات، تبقى سيرة الشيخ كليب الشريدة صفحة من تاريخ الأردن الاجتماعي والسياسي، تستحق مزيداً من التوثيق والدراسة، بعيداً عن المبالغة في الروايات أو الجزم بما لم تثبته الأدلة.
مصادر للاستزادة
- موقع التراث الأردني: دراسة عن الشيخ كليب الشريدة.
- وكالة عمون الإخبارية: مواد تاريخية عن عشيرة الشريدة وأحداث الكورة عام 1921.
- موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي: معلومات عن الروايات المرتبطة بأصول العشيرة.
- كتاب «من رجالات الأردن: الحاج كليب اليوسف الشريدة، سيرة حياة 1865–1941م»، لعبدالعزيز الكليب الشريدة، الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية عام 2000.
- كتاب «نسب قبيلة بني خالد بين اتصال وانقطاع عقب خالد بن الوليد»، لصالح بن محمد الحسن الخويطر، الصادر عام 2017.
