مشهد الخبر - تواصل الفنانة العراقية أصيل هميم ترسيخ حضورها في الساحة الغنائية العربية، مستفيدة من قدرتها على التنقل بين الأغنية العراقية والخليجية وغيرها من اللهجات العربية، في مسيرة فنية امتدت لسنوات وقدمت خلالها مجموعة من الأعمال التي لاقت صدى واسعاً لدى الجمهور.
واستطاعت هميم أن تبني لنفسها مساحة خاصة بين الفنانات العربيات، مستندة إلى صوتها وأسلوبها في الأداء، إلى جانب حرصها على اختيار أعمال تراها قريبة من شخصيتها الفنية، وهو ما جعلها تحافظ على حضورها رغم التغيرات السريعة التي يشهدها سوق الأغنية العربية.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبط اسمها بها «سر الحياة» و«يشبهك قلبي» و«المفروض»، إلى جانب مجموعة أخرى من الأغنيات التي قدمتها بلهجات وألوان موسيقية مختلفة، مؤكدة أن التنوع بالنسبة إليها لا يتعارض مع الحفاظ على الهوية العراقية التي تشكل أساس تجربتها.
«عشان العِشرة» تعيدها إلى الخليجية
وتأتي أحدث خطوات أصيل هميم الفنية من خلال أغنية «عشان العِشرة»، التي تعود بها إلى اللهجة الخليجية، في تجربة جديدة تراهن من خلالها على موضوع إنساني يمس العلاقات والروابط التي تجمع الأشخاص، ولا سيما قيمة الوفاء وحفظ العِشرة والذكريات.
الأغنية من كلمات شملان الخضاري وألحان علي هميم، وتحمل، بحسب الفنانة، إحساساً مختلفاً بالنسبة إليها، خصوصاً أن كلماتها جاءت قريبة من القلب، بينما أتاح اللحن مساحة واسعة أمامها للتعبير والغناء بأسلوبها الخاص.
وتوضح هميم أن اختيارها للأغنية لم يكن مرتبطاً باللهجة الخليجية وحدها، وإنما بما وجدته فيها من مضمون إنساني يمكن أن يصل إلى شريحة واسعة من المستمعين.
وتقول إن مفهوم «العِشرة» يحمل بالنسبة إليها قيمة كبيرة، لكنها ترى في الوقت ذاته أن هذه القيمة لم تعد حاضرة بالدرجة نفسها لدى الجميع، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص أصبحوا ينظرون إلى العلاقات من منظور المصلحة، متجاهلين الوفاء والاحترام والود الذي يتراكم عبر السنوات.
الأغنية تتجاوز حدود الحب
ولا ترى أصيل هميم أن «عشان العِشرة» تقتصر على العلاقات العاطفية، بل تعتبر أن فكرتها أوسع من ذلك، كونها تتناول معنى الوفاء للروابط الإنسانية والذكريات المشتركة بين الناس.
وترى أن الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن المواقف الحقيقية لا تقاس بالكلمات، وإنما بما يفعله الإنسان عندما تأتي اللحظة التي تتطلب منه الوفاء بما كان يجمعه بالآخرين.
وتعتقد الفنانة العراقية أن هذه المشاعر يعيشها كثيرون، الأمر الذي يمنح الأغنية فرصة للوصول إلى المستمع من خلال تجربته الشخصية، سواء كانت مرتبطة بعلاقة عاطفية أو صداقة أو علاقة إنسانية امتدت لسنوات.
العراقية هويتها والتنويع خيارها
وعلى الرغم من خوضها تجارب متعددة بلهجات عربية مختلفة، تؤكد أصيل هميم أن اللهجة العراقية تحتل مكانة استثنائية في مسيرتها.
وتصف اللهجة العراقية بأنها جزء أساسي من هويتها التي نشأت وتربت عليها، وأن الغناء بها يمنحها مساحة من العفوية والصدق في التعبير.
لكنها في المقابل لا ترى تعارضاً بين الحفاظ على هويتها وبين تقديم أعمال بلهجات أخرى، مؤكدة أنها تحب التنويع، شرط أن يكون العمل المختار قريباً منها ويعبر عن قناعاتها وشخصيتها الفنية.
وترى أن الفنان يستطيع أن يخوض تجارب موسيقية مختلفة دون أن يتخلى عن جذوره، بل إن الانفتاح على اللهجات العربية يمكن أن يمنحه فرصاً جديدة للوصول إلى جمهور أوسع.
هل تغني أصيل باللهجة اللبنانية؟
ومع نجاحها في تقديم أعمال بلهجات مختلفة، تبدو اللهجة اللبنانية واحدة من الخيارات التي قد تخوضها أصيل هميم مستقبلاً.
وتقول الفنانة إنها تحب اللهجة اللبنانية وترى أنها قريبة من القلب، كما أنها تمنح المغني مساحة واسعة للتعبير بطريقة عفوية.
وتؤكد أن تقديمها أغنية لبنانية يبقى مرتبطاً بالعثور على العمل المناسب، موضحة أنها لن تتردد في خوض التجربة إذا وجدت أغنية تشعر بأنها تشبهها وتتناسب مع مسيرتها.
وسبق لهميم أن تعاونت مع الملحن اللبناني مروان خوري في ديو «حكاية حب»، وهي تجربة تقول إنها ترغب في تكرارها مستقبلاً، سواء مع خوري أو مع شعراء وملحنين آخرين يمكنهم إضافة شيء جديد إلى تجربتها.
وتشدد على أن الاسم وحده لا يكفي لاختيار التعاون، إذ يبقى العمل الصادق والمتكامل هو المعيار الأهم بالنسبة إليها.
الذكاء الاصطناعي لا يخيف أصيل هميم
وفي ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها القطاع الفني بسبب تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إنتاج أصوات وأعمال موسيقية باستخدام التكنولوجيا، لا ترى أصيل هميم في هذه التطورات تهديداً مباشراً للفن.
وتعتقد أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من الحياة الحديثة، وبالتالي من الطبيعي أن يدخل إلى عالم الموسيقى والفنون مثلما دخل إلى العديد من المجالات الأخرى.
لكنها ترى أن القيمة الحقيقية تكمن في طريقة استخدام هذه التكنولوجيا، مشيرة إلى أن استخدامها بصورة صحيحة يمكن أن يقدم أدوات جديدة للفنانين والمبدعين.
وتؤكد في المقابل أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لن تكون قادرة على إلغاء الفن الحقيقي، لأن الصوت والإحساس والمشاعر عناصر إنسانية أساسية في الأداء الغنائي.
كما تكشف عن فضولها تجاه المستقبل، وما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي للفن خلال السنوات المقبلة، دون أن تنظر إليه باعتباره منافساً مباشراً للصوت البشري والإحساس الفني.
الأرقام والترند لا يصنعان النجاح
وتتحدث أصيل هميم عن التغيرات التي طرأت على الساحة الغنائية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن الأرقام وحجم المشاهدات وسرعة الانتشار أصبحت عوامل حاضرة بقوة عند الحديث عن نجاح أي عمل فني.
لكنها لا ترى أن الانتشار السريع يمثل بالضرورة دليلاً على نجاح الأغنية على المدى الطويل.
وتقول إن ما يزعجها أكثر هو أن يتحول التركيز من قيمة الأغنية ومحتواها إلى الأرقام والترند، خصوصاً في ظل إمكانية تحقيق بعض الأعمال انتشاراً واسعاً خلال فترة قصيرة، قبل أن تختفي سريعاً من ذاكرة الجمهور.
وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في ظهور عدد كبير من الأسماء خلال فترة قصيرة، مستفيدة من التفاعل الرقمي والأرقام الكبيرة، لكنها تؤمن بأن الاستمرارية تحتاج إلى ما هو أبعد من الانتشار المؤقت.
وبالنسبة إليها، فإن الأغنية الناجحة ليست بالضرورة الأغنية الأكثر مشاهدة، وإنما العمل الذي يستطيع البقاء في وجدان الجمهور بعد مرور السنوات.
أصيل هميم وذكريات الأغاني القديمة
وتكشف الفنانة العراقية عن جانب آخر من علاقتها بالموسيقى، يتمثل في ميلها إلى الاستماع إلى الأغنيات القديمة وترديدها عندما تختلي بنفسها.
وترى أن تلك الأعمال تحمل نوعاً من الأصالة يصعب تكراره في الوقت الحالي، مؤكدة أنها نشأت على احترام الموسيقى بمختلف ألوانها ومدارسها.
وتؤمن بأن الأغنية ليست مجرد صوت يؤدي كلمات، وإنما منظومة متكاملة تجمع الكلمة واللحن والإحساس والأداء.
وتربط أصيل هذا الارتباط العميق بالموسيقى بالبيئة التي نشأت فيها، ولا سيما تأثير والدها الملحن كريم هميم في تكوين شخصيتها الفنية منذ سنواتها الأولى.
نصيحة والدها رافقتها في مسيرتها
وتشير أصيل هميم إلى أن والدها كان له تأثير واضح في اختياراتها الفنية، وأن من أهم الدروس التي تعلمتها منه ضرورة البحث عن العمل الذي يشبهها بدلاً من الانجراف وراء الشهرة السريعة.
وتقول إن والدها علمها ألا تجعل الظهور وحب الانتشار هدفاً بحد ذاته، وأن الاستمرارية الحقيقية تأتي من الفن الصادق الذي يستطيع أن يعيش مع الجمهور لفترة طويلة.
وتبدو هذه الرؤية واضحة في موقفها من «الترند» والأرقام، إذ تفضل الفنانة العراقية أن تبني مسيرتها على أعمال تراها صادقة وقادرة على البقاء، بدلاً من السعي وراء نجاح سريع قد ينتهي بمجرد انتهاء موجة الاهتمام.
وبين العودة إلى اللهجة الخليجية من خلال «عشان العِشرة»، والانفتاح على تجارب عربية جديدة، واحتمال تكرار التعاون مع أسماء بارزة في الموسيقى اللبنانية، تواصل أصيل هميم رسم مسارها الفني بهدوء، واضعة جودة العمل وصدقه في مقدمة أولوياتها، في وقت تتغير فيه معايير النجاح داخل صناعة الموسيقى العربية بصورة متسارعة.

0 تعليقات